قد لا أفي بما وعدت به فيما سأذكره لاحقاً عن هذا الموضوع (اذا اعتبرنا أن عنوان المقالة هو بمثابة علامة تجارية لها يجب أن تفي بما وعدت به على اعتبار أن "A Brand is a Promise")، لكني سأحاول ذلك..

قبل سنتين، حظيت بفرصة الانضمام إلى برنامج مطول للتدريب في "ريادة الأعمال"(Entrepreneurship training and coaching programme)، وهو برنامج لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة السورية والتركية في تركيا، يتم بالشراكة بين عدة وكالات أممية (مركز التجارة الدولي ITC – منظمة الهجرة الدولية IOM -منظمة العمل الدولية ILO) بالتنسيق مع وزارة العمل التركية، تضمن البرنامج دراسة لأدبيات الأعمال، وورشات عمل مطولة، وألعاباً الكترونية شيّقة (ليست كلها شيقة لكن يتوجب أن أقول هذا وفهمك كفاية أيها القاريء!)، إضافة إلى تدريبات عملية من خلال تقديم استشارات لشركات، لينتهي الأمر بتعاقد مأجور مع ذات البرنامج لتقديم الدعم الاستشاري وبعض الدعم المالي لعدد من الشركات المتوسطة والصغيرة (SMEs) ...(معك حق أيها القاريء الكريم العزيز أن تعتبر ما سبق محاولة سمجة لاقحام تسويق نفسي ولكنها صدقني ضرورية لفهم السياق!)..

كما تلاحظون من اسم البرنامج..يمكن التكهن بعلاقة ما (لا أدري كنهها لأني لا أذكر أنهم أوضحوها) بين البرنامج و"ريادة الأعمال"، والحقيقة، حتى ليلة البارحة، وقبل اكتشافي الرائع للمنصة العظيمة التي أكتب إليها هذه المقالة، لم يكن واضحاً لدي أن هناك فرقاً بين ريادة الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة (SMEs)...(بالمناسبة..أنا سعيد بالمنصة كونها فريدة من نوعها باعتبار أنها باللغة العربية...والتي يمكن أن تسمح لنا بكتابة المقالات عليها لاستعراض بعض الحذلقة اللغوية المتهالكة التي أنهكتها رطانات الغربة..وأرجو ألا يعتبر – وان اعتبر فهو أفضل بحسب بمن يقوم بالاعتبار – كلامي أنه "كولكة" لجماعة المنصة ليقوموا بنشر مقالتي الأولى..ما علينا ..المهم )...ومن خلال استعراضي لبعض المقالات القيمة (وكلها قيمة بالتأكيد وأرجو أن يقبل مجتمع المنصة انضمامي المتطفل إليهم بصدر رحب) على المنصة المباركة "ألِف ستارت أب" – بالمناسبة كنت قد تابعت بداياتها باسم حرابيء ولكن لم يكن لدي الوقت لمتابعتها – لاحظت الحديث عن الفروقات بين المشاريع المتوسطة والصغيرة وتلك الرائدة كما في مقالة" ما هو المشروع الريادي؟ وماذا يفرق عن المشروع الصغير؟" للزميل العزيز المدون على المنصة حكمت عقيل...

كنت أهمُّ بالكتابة والنشاط على المنصة لوجود بعض فائض وقت لدي لولا أن اكتشفت ذلك!..لأدرك بأن هناك خلافاً فلسفياً استراتيجياً يمكن أن يظهر ويتسع تأثيره مع زيادة النشاط على المنصة..فبدأت ببعض الاطلاع والقراءة عن الموضوع...

الصديق والباحث الموسوعي الدكتور سنان حتاحت ...، والذي يفهم بكل شيء وعن كل شيء (حاولوا الاستفادة منه والاستلهام من تجاربه الرائعة حقيقة..أعلم أيها القاريء أنك قد تفهم أنها أيضاً "كولكة" له كونه الرئيس التنفيذي للمنصة) ..، أفادني مشكوراً لدى استشارته حول قيامي بكتابة المقالات على هذه المنصة الكريمة (وهو بالمناسبة الرئيس التنفيذي لهذه المنصة) بأن هنالك فرقاً رئيسياً بين المشاريع الريادية وتلك الموصوفة بالصغيرة والمتوسطة بأن الريادية تهدف للتوسع السريع (السرطانيهذا التوصيف من عندي أحاول من خلاله الايحاء السلبي به للقاريء..وهو أمر ستسمح المنصة بتمريره بعد سيل "الكولكات" السابقة ولتظهر كم أنها تحترم الرأي والرأي الآخر) ..ولو كان ذلك على حساب خسارتها وهو أمر ليس من ثقافة الشركات الصغيرة والمتوسطة..ضارباً لي أمثلة.. كبعض الأقسام بأمازون..التي لا تزال خاسرة حتى اليوم...

على الرغم من كفاية الايضاح السابق من قبل الدكتور سنان، ووجود أسباب وجيهة كافية لاعتبارها (لعل أهمها أنه شريك ومؤسس والرئيس التنفيذي لهذه المنصة العظيمة)، إلا أن بعض الفضول دفعني إلى مزيد بحث..(يمكنك أيها القاريء العزيز اذا شعرت بالملل أن تتوقف هنا باعتبار أننا وصلنا للحقيقة المطلقة كما قالها الدكتور سنان حفظه الله وإياك!)...

وكالعادة عندما يبدأ الفضول باللعب بعقولنا...نقوم بسؤال جوجل ..، وجدت ورقة مختصرة تراجع العلاقة بين ريادة الأعمال، والشركات المتوسطة والصغيرة والمتناهية في الصغر - (Small, Medium & Micro Enterprise Businesse  (SMMEs ، وعنوانها "العلاقة بين ريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر: مراجعة في الأدبيات" لباحث هو د. فرانسيس أوكير، يوضح فيها الباحث المشتركات والاختلافات بين المفهومين...

يذكر الباحث في معرض حديثه التحدي الذي واجهه ابتداء في تحديد مفهوم ريادة الأعمال لعدم وجود تعريف متوافق عليه بين العلماء والمنظرين، ليخلص إلى تحديد عناصر أساسية يمكن أن تكون معالم رئيسية لفكرة ريادة الأعمال هي:

الابتكار، والإبداع، والمجازفة، والتقاط وتقدير الفرض في السوق، وإنشاء مؤسسة جديدة، وإدارة المؤسسة، وإيجاد القيمة للمجتمع، وتنمية المؤسسة، وتوليد فرص العمل...

يبحث الباحث بعدها في التشابه والاختلاف بين المصطلحين، فيتحدث عن مشتركات كثيرة وتداخل، فكل من ريادة الأعمال والشركات الصغيرة معترف بهما كلاعبين مهمين في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وقد لوحظ لكليهما القدرة لتوليد فرص العمل والنمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية والتحول الاقتصادي،  كما تهدف كل من المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم وريادة الأعمال إلى تحقيق نفس الأهداف، كما أن كليهما يتأثران بنفس العوامل، وبالتالي، يتم تحديد نجاحهم أو فشلهم من خلال مجموعة من العوامل المماثلة، على سبيل المثال، البيئة والثقافة والموقع والخصائص الفردية وخصائص الشركة، كما أن مالكي ومديري الشركات الصغيرة والمتوسطة يميلون إلى امتلاك نفس الخصائص أو السمات لإدارة الأعمال، مثل المبادرة (الأفراد الذين يبدؤون ذاتياً، المثابرة (التصميم القوي والصبر)، التركيز على الاجتهاد، الالتزام بالاتفاق / العقد، ، التخطيط المنهجي، حل المشكلات الإبداعي والثقة بالنفس واستخدام الاستراتيجية المؤثرة (القدرة على التأثير على الآخرين) والنزاهة والموثوقية، في المقابل،يوضح الباحث الفوارق من خلال توضيح أن أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة والمشاريع الريادية عادة ما يمتلكون نوايا مختلفة،حيث تبدأ الشركات الصغيرة عادةً صغيرة وتبقى صغيرة نسبياً، وتوفر نمط حياة أو وظيفة ومستوى متواضعاً من الدخل لأصحابها، أما المشاريع الريادية، فالمؤسسون يمتلكون دوافع وأهدافاً مختلفة،  فهؤلاء المؤسسون مبتكرون ومُوجهون للنمو، وليس هدفهم توليد مجرد وظيفة أو عمل لأنفسهم، بل توليد قيمة وثروة يمكنهم حصادها في المستقبل، وينهي الباحث ورقته بالتوصية لصناع القرار والسياسات ببذل المزيد من الجهد للتمييز بين الأمرين.

لكن مهلاً!، الإبداع كفارق أساسي!...أذكر أننا درسنا في أدبيات الأعمال بأن أهم ما يميز الشركات المتوسطة والصغيرة هو محدودية الموارد، ونتيجة لذلك، فإن أحد أهم أهم وسائل تمايزها عن غيرها هو الابداع، وهنا ندخل حقيقة في نسبية الإبداع، ونسبية الفارق أيضاً بين الريادة والشركات المتوسطة والصغيرة، فالريادة غالباً مرتبطة بإبداع عالي المستوى في أصل الفكرة، بينما تتميز الشركات الصغيرة والمتوسطة بإبداعها في الوصول بمنتجات أو خدمات تقليدية إلى شرائح معينة..

مع ذلك، يبدو لي بأن هنالك مستوى كبيراً من التداخل والمشتركات الذي يتيح لي التطفل في الكتابة والتنظير على هذه المنصة على الرغم من أنني مستشار للشركات المتوسطة والصغيرة، لا يمكن لهذه المقالة أن تحيط بتداخلات الموضوع في هذه العجالة، ولعلنا نقارب الموضوع في مقالات أخرى أيضاً..

لكن مهلاً..قد يسأل أحدهم ...ماذا يستفيد من يطمح ليكون رائد أعمال من هذه التأملات المغرقة في النظرية؟..في الحقيقة هذه التأملات مفيدة لندخل في صلب الموضوع انتولوجياً وابتسمولوجياً (هذه مصطلحات جديدة لا أفهمها بدقة حتى الآن لكن بدأت بمحاولة فهمها، وهي عادة مما يستخدمه البعض للظهور بمظهر "المتحذلق والمتفلسف"، وأرجو ألا يشعر القاريء – وإذا شعر لا مشكلة كبيرة – بأني استخدمها لهذا الغرض!).

يتبع...